بعد انتظار طويل، صدرت مجموعتي الشعرية الأولى ترجمان الصمت.

المجموعة الشعرية معروضة الآن في معرض الشارقة الدولي للكتاب لدى الأصدقاء في دار الرابطة للنشر والتوزيع، طوال أيام المعرض الذي يستمر حتى 11 نوفمبر 2017.

أعرف أني تأخرت كثيراً في نشرها. وربما لم أتأخر. لكن كان ثم محاولة واحدة قبل ربع قرن تقريباً لنشر مجموعة شعرية، والحمد لله أنها لم تكلل بالنجاح. كانت تلك المحاولة بمسعى وتشجيع من الصديق مشعل العدوي (الذي يظهر حماساً لشعري أكثر مني)، إذ أوصلني الصديق مشعل بواسطة إلى اتحاد الكتاب العرب ورئيسه علي عقلة عرسان، وكانت مقابلة سأكتب لاحقاً عنها مقالة ربما. لم يرق شعري لاتحاد الكتاب العرب الذين كانوا ينشرون في وقتها مجموعات لا علاقة لها بالشعر من قريب ولا بعيد، لا اللغة عربية ولا العروض فراهيدية ولا ولا ولا ... (مرة جمعنا الهوى). 

لا علينا.

قرأت الشعر على مدى عقود عديدة منذ ما بعد العاشرة، وكتبت الشعر على مدى عقود عديدة أيضاً. لقد جعلني الشعر شخصاً متعلقاً بالكلمة، أفهم العالم من خلالها. وكان الشعر لدي في المقام الأول ترجمة للصمت، وكنت ترجمان الصمت.

عندما أمر بتجربة جديدة لا ألجأ إلى الصور أو الأرقام، أول ما يخطر ببالي الكلمات. الكلمات هي طريقة استيعابي لهذا العالم. منذ تكون وعيي، وأنا أعجب لكل استخدام جديد للكلمة. منذ نشأتي الأولى، والكلمات رفيقة تكويني.

الشعر لي استنطاق للعالم، للأشياء والموجودات. عندما أمر بموقف كبير التأثير، أظل منزعجاً حتى أستطيع تحويل المشاعر والعواطف التي خلفتها هذه التجربة إلى شعر: أصوات من الأبجدية، وموسيقى مختلفة التكوينات يمكنني بعد النظر فيها أن أعرف ما الذي خبرته. هكذا تتوضح لي الأمور، وهكذا أعرف ما الذي مر بي وما الذي مررت به.

كانت البداية مع ولادة الثمانينيات (على الأرجح) من مكتبة في بصرى الشام (أو لعل البداية كانت أبكر من ذلك بكثير). اشتريت من تلك المكتبة الصغيرة كتاباً لشاعر إسلامي ملتزم يدعى زهير المزوق، هذا الشاعر كان دليلي إلى نزار قباني. على الرغم من أنه كثير الإدانة لفكر نزار، وقد سطر الكثير من المعارضات لنزار الذي يتهمه "بالزيرية" و "الانحلال والدعوة له" و"الضرب بعرض الحائط بالقيم الإسلامية"، إلا أن الأمور جرت على هذا النحو. كان كاره نزار دليلي إليه. لكن هذا موضوع آخر قد يتاح لي كتابة موضوع عنه فيما بعد.

نعود إلى الشعر. الشعر مجموعة من التقنيات والأساليب والآليات القادرة على تحويل المشاعر والأحاسيس إلى كلمات وصور وموسيقى. ليس هذا تعريفاً بالتأكيد، هو قول من الأقوال في الشعر. بيد أن سؤالنا هو ما حاجتي وما حاجتك إلى الشعر؟

ما الذي يميز الشعر عن الكلام العادي؟ كثيرة هي الجوانب التي يمكن أن نبحث فيها والتي تجعل من الشعر كلاماً مختلفاً أو كلاماً مميزاً، لكن ثمة ميزة هامة في الشعر وهو أنه يتعالى على الحديث العادي، ويتعالى على النثر، ويتعالى على الواقع. لذلك يمكن لبيت شعر أن يكون تعبيراً صادقاً عن تجارب شديدة الاختلاف وشديدة التباين قد لا تجد بينها أي رابط على الإطلاق. لهذه الميزة يدين الشعر العظيم بخلوده.

نلجأ للقصائد والشعر عندما نسمو فوق الحياة اليومية (رغم أن موجة من الشعر أحلت الحياة اليومية في قلب الشعر وجعلت منها ديدن الشعر والقصيدة الحديثة). لكن يبقى الشعر العظيم لا آنياً ولا واقعياً ولا مناسباتياً، على الأقل في معظمه.

يقول أحد الشعراء: إذا لم تكن في حاجة للشعر، فلا شك أنك قاسي القلب. ويقول شاعر آخر: أنت يا من لا يحب الشعر، لن يكون موتك جميلاً. في النهاية هذان ليسا سوى شاعرين، ومن البديهي أن يروجا لصنعتهما ولمصدر رزقهما (إن كان يمكن للشعر أن يكون مصدر رزق).

كثيرة هي التقنيات التي ينطوي عليها الشعر والتي تجعل منه ألصق بالذاكرة من النثر. من الموسيقى إلى القافية إلى التعبيرات الجديدة المميزة. وليس من المصادفة أنك عندما تريد أن تمد في عمر سهرتك، ستقول "فما أطال النوم عمراً ولا قصر في الأعمار طول السهر". لقد أوجد الشاعر لك سبباً لمزيد من السهر.

لا أريد لهذه المقالة أن تطول، لذلك سأجعلها سلسلة من المقالات. 

List blog

Pages